ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
377
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
قال تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النساء : 79 ] . وقال تعالى في الشر : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] ثم قال : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] : أي أن التعريف من عند اللّه ، بأن هذا من عند اللّه وهذا شر من عنده تعالى . ثم قال في حق من جهل هذه الأحكام والتعريف : هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ النساء : 78 ] : أي ما حدّثتهم به فإني قلت : هذا من عند اللّه وهذا من النفس ، فرفعت الإيهام واحتمال الإيهام ، فلمّا قلت كل من عند اللّه ، فعلم العالم باللّه أني أريد الحكم ، والإعلام بذلك أنه من عند اللّه لا عين الشر والسوء فإذا علمت هذا . فاعلم أن الأديب ينقسم إلى أربعة أقسام في اصطلاح أهل اللّه رضي اللّه عنهم : أدب الشريعة ؛ وهو الأدب الإلهي الذي يتولى اللّه تعليمه بالوحي والإلهام والتعريف ، وبه أدب نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبه أدّبنا نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن هذا المقام قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه أدبني فأحسن تأديبي » « 1 » فهو المؤدّب . وأدب الطريقة والخدمة ، فقد شرّع ما كيفية المعاملة معه خاصة دون الخلق . قال تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [ الحشر : 7 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم » « 2 » رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه . وهذا من أحسن التأديب منه ، وأدب الحق هو : الأدب مع الحق في اتّباعه حيث وجد وظهر ، فلو ظهر عند الأصغر سنا ورتبة فيتبعه ولا يأنفه ويقبله ولا يرده ولا يكون ممن قال تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [ البقرة : 206 ] . وهذان القسمان لو كانا يدخلان في القسم الأول من وجه ؛ فإن أدب الشريعة كالأم ولو كان لهما بعض خصوصيات تختص بهما .
--> ( 1 ) تقدّم تخريجه . ( 2 ) رواه الدارمي ( 1 / 80 ) ، والبيهقي في الشعب ( 2 / 407 ) ، والطبراني في الكبير ( 9 / 154 ) .